مقدمة:
تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على الاحتياجات المجتمعية، والقضايا الناجمة عن زلزال 6 شباط في شمال غرب سوريا، وتحديداً في مناطق شمال حلب وإدلب، أو القضايا التي عزز الزلزال من تأثيرها، إضافة لتقديم مجموعة من التوصيات ذات الصلة بالقضايا المطروحة.
منهجية إعداد الورقة:
تم إعداد هذه الورقة بجهود نادي بناء السلام السوري، وتحديداً أندية إدلب وحلب، وذلك بعد العمل على أربع جلسات حوارية بمشاركة مايقارب٥٠ مشارك/ة من القيادات المجتمعية، والنشطاء في كلا المجتمعين تم خلال الجلسات تحديد الاحتياجات الموجودة، وتسليط الضوء على القضايا المجتمعية التي أنتجها الزلزال أو عزز تأثيرها، كما نظّم نادي بناء السلام السوري ورشتي عمل في كلا المنطقتين لصياغة المخرجات والتوصيات الواردة في هذه الورقة.
أولاً: القضايا المجتمعية الناتجة عن الزلزال:
لم تقتصر تأثيرات الزلزال على الخسائر في الأرواح والمباني والنقص الحاد في تلبية الاحتياجات الأساسية، بل امتدت تأثيراته إلى ما هو أبعد من ذلك، ولا سيما على المجتمعات التي أنهكتها الحرب والتشرد والفقر والحاجة خلال أكثر من عقد من الزمن.
أضاف زلزال ٦ شباط الكثير من التحديات، والمصاعب والاحتياجات المختلفة في المجتمعات، وأَثار قضايا مجتمعية قد تؤثر على استقرار المجتمعات، أو تخلق نزاعات، ما يزيد من ضعف النسيج الاجتماعي. لذلك كان من المهم العمل على رصدها، والمساهمة في معالجتها بشكل شامل، وإيجاد حلول مستدامة تعزز الاستقرار، وتعالج العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية التي تلعب دوراً هاماً في تحقيقه.
توصلت الحوارات التي أجراها أعضاء وعضوات نادي السلام السوري في شمال حلب وإدلب إلى مجموعة من القضايا والاحتياجات المجتمعية تتلخص بالآتي:
- القضايا المجتمعية الأكثر انتشاراً:
- النزاع على الموارد: حيث ساهمت إعادة توجيه الدعم والموارد التي كانت مخصصة للمحتاجين/ات ممن كانوا يتلقونها قبل الزلزال إلى المتضررين/ات من الزلزال في المناطق المتضررة إلى نشوب نزاع بين المحتاجين/ات من أبناء المجتمع المضيف والنازحين/ات وبين النازحين/ات الجدد المتضررين/ات من الزلزال.
- نشوء مجتمعات جديدة: كنتيجة لعودة الآلاف من السوريين/ات المتواجدين/ات في تركيا والمتضررين/ات من الزلزال إلى سوريا، والذين بلغ عددهم/ن وفق تصريح إدارة الهجرة 554 ألفاً و114[1]، ولا سيما إلى شمال حلب وإدلب، نتج مجتمع جديد في هذه المجتمعات بتوجهات وبيئة عمل مختلفة، مع عدم وجود قنوات تواصل ومساحات للحوار حول المشاكل والقضايا التي تواجههم/ن، مما أدى إلى ظهور فجوة جديدة في المجتمعات بين الوافدين/ات من تركيا والنازحين/ات السابقين والنازحين/ات بسبب الزلزال والمجتمع المضيف قد تؤدي إلى تحديات مستقبلية تهدد السلم المحلي في المنطقة .
- قضايا الأطفال/ات الأيتام واليافعين/ات: زاد عدد الأطفال الأيتام في ظل عدم وجود أقرباء لديهم/ن قادرون/ات رعايتهم، وعدم وجود دور لرعاية الأيتام وتلبية احتياجاتهم/ن وبالتالي من المتوقع ظهور جيل جديد معرض للتسليح المبكر، أو التزويج المبكر، أو تعاطي المخدرات، أو الانحراف باتجاه الأعمال الشاقة أو المضرة. كما أن انتشار ظاهرة السرقة ولاسيما لدى الأطفال واليافعين أصبحت كنتيجة لفقدان المعيل وعدم القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية، فتضطر هذه الفئة للجوء إلى وسائل منحرفة بسبب عدم وجود مصدر لسد الاحتياجات، مما يجعلهم/ن عرضة للانتقام من قبل ضحاياهم أو أبناء/بنات المجتمع الآخرين الذين يسعون لحماية ممتلكاتهم/ن وتتطور تبعيات القضية لتتحول إلى مواجهات وربما صراعات أكبر بين مجموعات مختلفة داخل المجتمع.
- التغيير الديمغرافي: عززت موجات النزوح الجديدة الناتجة عن الزلزال مخاطر التغير الديمغرافي في شمال حلب، والتي تعتبر أحد أكبر المخاطر التي تعرقل عملية السلام في سوريا.
- القضايا المتعلقة بالحقوق المدنية وحقوق الملكية:
- فقدان الوثائق والاستيلاء على الممتلكات: أدى فقدان الناجين/ات من الزلال لوثائقهم/ن الشخصية وإثبات الملكية والعقارات إلى خلق العديد من النزاعات حول حقوق الأرض والممتلكات ولا سيما وأنه مازال السوريين/ات يكافحون لاستعادة ممتلكاتهم أو إثبات ملكيتها، فقد تُنتج هذه القضية نزاعات جديدة بين الأهالي وبين الأهالي والسلطات الحاكمة في المنطقة مما يزيد من تعقيد عملية التعافي للمجتمعات.
خلقت الفوضى التي أعقبت الزلزال فرصاً للجهات المسيطرة للانخراط في الاستيلاء على الأراضي واستغلال الممتلكات القيمة بحجة إنشاء المخيمات مع تواجد أراضي واسعة كملكية عام للسلطة، هذه الممارسات غير قانونية زادت من تعقيد الوضع وتقويض حقوق أصحاب الممتلكات الشرعيين.
- القضايا الاقتصادية:
- فقدان المعيل: فقدت الكثير من العائلات معيلها الأساسي مما يجعلهن يواجهون أعباء ومسؤوليات بدون توفر الموارد اللازمة، ولا سيما بالنسبة للنساء اللائي يتحملن في كثير من الأحيان وطأة العواقب، حيث من المحتمل أن يكن أكثر عرضة للاستغلال واستفادة المستغلين من وضعهن الضعيف.
- الاستغلال وارتفاع الأسعار: تفاقمت مشكلة الاستغلال وارتفاع أسعار الإيجارات في المنطقة، والتي نتج عنا نشوب نزاعات وتفاقم التوترات المجتمعية القائمة مما أدى إلى تآكل الثقة وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات التي تتصارع بالفعل مع تداعيات الكارثة.
- فقدان الوظائف: مع تضرر الشركات والصناعات من الزلزال، فقد العديد من الأفراد وظائفهم/ن ومصادر الدخل الأساسية مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، وبالتالي ارتفاع مستوى الفقر في المجتمعات وزيادة التفاوت في الدخل.
- الاعتماد المتزايد على المساعدات الإنسانية: قد تصبح المجتمعات معتمدة بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية من أجل الضروريات الأساسية، ومن المتوقع أن يكون لهذا تبعات وآثار طويلة المدى على الاكتفاء الذاتي والتنمية الاقتصادية للمنطقة.
- القضايا المتعلقة في الإعلام:
- فجوة الثقة بين الإعلام والمجتمعات المحلية: بسبب ضعف القدرة على المناصرة الإعلامية لتلبية احتياجات المتضررين/ات من الزلزال أو ممارسة المساءلة المجتمعية للاستجابة المقدمة مما خلق فجوة ثقة بين الإعلام والمجتمعات المحلية.
- قلة التركيز على احتياجات المجتمعات الموجودة مسبقاً قبل الزلزال: ركز الإعلام خلال فترة الزلزال على تغطية الاحتياجات الأساسية للمتضررين/ات ولم يولِ القضايا الملحّة التي كانت تشكل تحديات قبل الزلزال اهتماماً، على الرغم من أن تأثيرها ازداد بسبب الزلزال.
- انتشار المعلومات المضلّلة: في ظل الكارثة والفوضى التي أنتجها الزلزال انتشرت المعلومات المضللة، والشائعات بشكل كبير مما جعل الصحفيون/ات يواجهون /ات تحديات في التحقق من دقة المعلومات التي يتلقونها، أدى ذلك إلى الارتباك واحتمال عدم الدقة في التقارير نتج عن ذلك أزمة ثقة بين المجتمع والإعلام.
- القضايا المتعلقة في الصحة النفسية والبدنية:
- ازدياد الاضطرابات النفسية: الأشخاص الذين يتعرضون لاضطرابات نفسية بعد الزلزال، ولاسيما الناجين/ات الذين فقدوا ذويهم/ن.
- تزايد مستوى البطالة نتيجة الإصابات الجسدية: كنتيجة للزلزال في المناطق المتضررة، فقد الكثير من المتضررين/ات فرص عملهم/ن مما أدى إلى ازدياد أعداد الأشخاص الذين هم تحت خط الفقر، مما أدى لازدياد حالات الانتحار وخاصة للفئة الشابة، إضافة لارتفاع مستوى الجريمة في المنطقة، والممارسات غير الأخلاقية وفق تعبير المجتمع، والتي أدت إلى خلخلة الانسجام والأمن المجتمعيين.
- القضايا المتعلقة بالنساء:
- استغلال النساء: تم توثيق عدة حالات من العنف الجنسي واستغلال النساء مقابل تقديم المساعدات، وقد قامت بعض تلك النساء بتوثيق حالات تحرش عديدة أثناء الانتظار لاستلام المساعدات، وصمتت في لحظتها خوفاً من الامتناع عن تقديم المساعدة لها وضياع دورها فقي طابور الانتظار.
- فقدان العمل: معظم النساء السوريات اللواتي تعمل في المياومة مصدر رزقها إما بسبب تهدم مكان العمل أو بسبب تردي الوضع الاقتصادي الصعب الذي حصل نتيجة الزلزال ما يزيد من تدهور الوضع الاقتصادي السيء أساساً للنساء.
- فقدان الخصوصية في المأوى: لجأت الكثير من الأسر التي فقدت بيوتها إلى الخيم مما زاد من معاناة النساء في الخييم ولا سيما فقدان الخصوصية في المأوى والحمامات ومكان الاستحمام، وهناك تخوفات من انتشار الأمراض لافتقار المخيمات إلى النظافة والتعقيم.
- الزواج المبكر: بسبب الظروف الاقتصادية السيئة والتي ازدادت سوءاً بعد الزلزال، إضافة إلى فقدان الكثير من الأسر إلى المأوى، فإن هذه الأسباب كانت تؤدي أساساً إلى ازدياد زواج القاصرات، وهناك مخاوف من تفاقم هذا الأمر.
- عدم إدخال منظور النوع الاجتماعي في الإعلام: عادة ما يسلط الإعلام الضوء على المأساة بشكل جماعي دون الأخذ بعين الاعتبار احتياجات النساء المختلفة عن الاحتياجات العامة وهذا يؤدي إلى الخلل في نوع المساعدات وكيفية تقديمها، ويفاقم من أزمات ومعاناة النساء
التوصيات:
لمعالجة القضايا المذكورة وتعزيز الاستقرار والتماسك المجتمعي في المجتمعات المتضررة بعد الزلزال، يمكن النظر في التوصيات التالية:
- دعم إنشاء قنوات اتصال ومساحات للحوار حيث يمكن للأفراد من خلفيات مختلفة، بما في ذلك الوافدين/ات من تركيا والمشردين/ات السابقين والمجتمع المضيف، يتم من خلالها مناقشة ومعالجة المشكلات والقضايا التي يوجهونها.
- توفير مأوى للمتضررين/ات من الزلزال في سوريا أو تقديم مساعدة مالية لاستئجار مبانٍ تحافظ على كرامتهم/ن.
- توفير الخصوصية للنساء في المأوى والخصوصية في استلام المساعدات ونوعها أثناء تقديمها للنساء.
- تشكيل لجان تخصصية تقنية من القيادات المجتمعية و الحقوقيين/ات مهمتها توثيق انتهاكات الملكيات وحصر المشاكل المتعلقة في حقوق والملكيات، واقتراح حلول لها، إضافةً لنشر الوعي المدني الخاص بحقوق الملكيات وإعادة النظر بالقوانين المحلية بالملكية الحالية التي يتم اعتمادها في شمال غرب سوريا ومعالجة الثغرات الموجودة لضمان عملية عادلة وشفافة تشمل المجتمع وتتجنب المزيد من النزاعات.
- زيادة المساحات الحوارية بين السوريين/ات عبر الجغرافيا، وفي بلدان الجوار وبلاد الشتات والتي من الممكن أن تساهم في تقريب وجهات النظر بين السوريين/ات وتمهد لعملية سلام شاملة ولا سيما وأن المنطقة شهدت تضامن عابر للجغرافيا خلال الزلزال.
- تطوير برامج دعم شاملة للأطفال الأيتام، كبرامج التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، إضافةً إلى إنشاء بيئات آمنة ورعاية مثل دور الأيتام أو أنظمة الرعاية البديلة لتلبية احتياجاتهم وحمايتهم من الاستغلال أو الممارسات الضارة.
- ضمان التوزيع العادل والمنصف للدعم والموارد لكل من الأفراد المحتاجين الموجودين مسبقًا والمتضررين/ات من الزلزال، والعمل على وضع آليات شفافة لمنع النزاعات الناشئة عن الظلم الملحوظ في تخصيص الموارد.
- العمل على تصميم تدخلات تتضمن تنفيذ تدابير لحماية حقوق جميع الأفراد، بغض النظر عن خصائصهم الديموغرافية، وهذا يشمل ضمان عدم التمييز في الحصول على الخدمات الأساسية، والرعاية الصحية، وفرص العمل، إضافة إلى إنشاء آليات لمعالجة حالات التمييز وتعزيز المساواة في المعاملة لجميع أفراد المجتمع.
- توفير الدعم الاقتصادي الهادف وفرص كسب العيش للأسر التي فقدت معيلها الأساسي من خلال تقديم برامج التدريب المهني ومبادرات ريادة الأعمال وخيارات التمويل الأصغر لتعزيز مرونتها واكتفائها الذاتي الاقتصادي مع إيلاء اهتمام خاص لتمكين النساء، اللائي قد يواجهن نقاط ضعف إضافية، من خلال التدريب على المهارات والأنشطة المدرة للدخل.
- إنشاء برامج شاملة لدعم الصحة العقلية للأفراد المتضررين من الزلزال، بما في ذلك خدمات المشورة، وعلاج الصدمات، والدعم النفسي والاجتماعي ورفع مستوى الوعي بقضايا الصحة النفسية وتقليل الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة.
- تطوير وتوجيه أدور الإعلام في الاستجابة للكوارث وتطوير مهارات المناصرة للاحتياجات وتسليط الضوء على القضايا المجتمعية، والمناصرة لها.
- الاستفادة من فرصة التضامن الذي خلقها الزلزال بين المناطق المختلفة في سوريا والعمل على التنسيق والتشبيك بين المبادرات المجتمعية والتي استجابت لاحتياجات المتضررين/ات من الزلزال عبر الجغرافيا السورية وأسقطت كل الخلافات .