كحجرٍ رُميَ في بحيرةٍ .. كيفَ اتسعت دوائرُ التّضامنِ السّوريِّ في ظلِّ الزّلزالِ؟

"استيقظنا منَ النومِ على ارتجاجِ الأرضِ منْ تحتنا، والسّؤالُ الّذي كانَ يضغطُ عليّ هلْ أنا في حلمٍ؟ خرجنا إلى الشّارعِ، صراخُ النّاسِ وتكبيراتُهم تملأُ المكانَ، وجوهُ الأطفالِ شاحبةٌ ترتجفُ منَ الخوفِ، المنازلُ تنهارُ أمامَ أعينِنَا، والصّوتُ القادمُ منْ باطنِ الأرضِ يُخرِسُ كلَّ ضجيجٍ. مدينتِي الّتي عانتْ منْ بطشِ النّظامِ السوري ، مدينتي الّتي ازدحمتْ بالشّهداءِ، مدينتي الّتي دمّرتها الحربُ، مدينتي المكلومةُ لمْ تسلمْ أيضاً منَ الزّلزالِ ودمارهِ"، بهذهِ الكلماتِ كثّفَ (عبدُ اللّطيفِ) ناشطٌ مدنيٌّ منْ حلبَ المشهدَ الكارثيَّ في شمالِ غربِ سوريَّةَ، حصيلةُ اثنيْ عشرَ عاماً منَ الحربِ، ثمَّ زلزالُ 6 شباط 2023 الَّذي ضربَ جنوبَ تركيا وشمالَ غربيِّ سوريَّةَ ليزيدَ الدَّمارُ دماراً.

ولكن وبموازاة هذا الجانب المظلم كان هناك جانب مضيء أظهره الزلزال، تبدى في تكاتف السوريينات وتضامنهمن أمام هذه المحنة، يقول (عبد اللطيف): في الصباح الباكر تم تشكيل غرفة من قبل شركات الحوالة والتجار، وأصحاب المقالع والآليات، وتم التواصل مع المغتربينات من مدينتي المتواجدينات في تركيا وأوروبا لجمع التبرعات، تم توزيع المهام على المتواجدينات، فمنهم من أرسل الآليات وتَعاون مع عناصر الدفاع المدني بإزالة الأنقاض، ومنهم من تَعاون مع الإسعاف والمشافي، ومنهم من كان يساعد الأشخاص الذين تصدعت منازلهمن للوصول إلى الخيم، التي تمّ شراؤها من التبرعات ونصبها في مكان آمن ليكون مأوى لهؤلاء الناس، ومنهم من تولى أمر المساعدات وتقديم الغذاء، فالجميع وضعوا الخصومات والخلافات جانباً، وعملوا يداً بيد بدون توقف لإنقاذ أبناء مدينتهم في مشهد من التكاتف والتلاحم.

 

 التكاتف في مواجهة الزلزال

لم يقتصر مشهد التكاتف على مدينة دون أخرى من المدن المتضررة، فأمام المأساة الكبيرة توجّب بذل جهد كبير لتأمين العوائل الهاربة من المنازل المتصدعة، ففي أعزاز يقول (عمران) -ناشط مدني من حلب: بدأت مجموعة من الناس بتأمين عدد من الخيام عن طريق مبادرة شخصية، وتمّ وضع هذه الخيام في أرض زراعية، وكانت أولوية الإيواء للأطفال والنساء، كما قام بعض الأشخاص بجمع التبرعات من الخارج، وخاصة من المغتربينات في أوروبا والخليج من أبناء محافظة دير الزور، بالإضافة إلى التواصل مع المنظمات، ولكن ومع مرور الأيام ازدادت الحاجة للخيام مع ازدياد عدد الناس المنكوبة، لذلك سارع أبناء مدينة الفورية لجمع الأموال من أجل استئجار أرض أكبر مساحة. وكانت المساهمة الأكبر من أحد الأشخاص الذي تواصل مع المنظمات لتقديم الخيام، ونتيجة هذا التكاتف تم استئجار أرض في مدينة أعزار تبلغ مساحتها حوالي أربعة دونمات، وتم البدء بعملية تخديم المخيم، من خلال فتح الطرقات، وبناء الخيم الجديدة، وبعدها الحصول على ترخيص من السلطات المحلية في أعزار، ليتم إيواء أكثر من مئة عائلة، وتقديم المساعدات الإنسانية والخدمات الصحية، وإقامة نقطة طبية.

 

 الناس لبعضها

أمام صور الأطفال الذين تم إنقاذهم وباتوا بلا عوائل، بدأت تنتشر الدعوات لكفالتهم من مؤسسات وأفراد، من بينهم فنانينات ورياضيينات. تقول (سكينة) -ناشطة مدنية من حلب: من أكثر المواقف التي آلمتني، عندما دخلت خيمة ووجدت فيها أب وثلاث بنات فقدن والدتهن، الكبيرة في سن السادسة، والوسطى في سن الخامسة، أما الصغيرة فكانت في سن الستة أشهر، عندما حملت الصغيرة بين يدي شعرت وأنّ العجز يمزق قلبي، عجزي التام عن تقديم أي مساعدة لها، ولكن بعد فترة وصلني خبر من إحدى الزميلات أنّ شخصاً ميسور الحال تكفل بتلك الطفلة، إنّ هذه الحادثة برأي سكينة مليئة بالألم والأمل، فعلى الرغم من كل ما عاشته سوريا من أزمات وحروب إلا أنّ الخير لم ينضب من نفوس أهل الخير.

 

الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين

كحجر رمي في بحيرة اتسعت دوائر الاستجابة لتشمل الجميع، ابتداءً من مركز الكارثة، مروراً بالمناطق الأقل تضرراً، وصولاً إلى الأطراف، فلم يكن الفقراء أقل تكاتفاً من ميسوري الحال، فالعوائل النازحة بسبب الحرب استقبلت العوائل النازحة بسبب الزلزال، وآوتهم رغم صعوبة الواقع القائم داخل المخيمات المحرومة من غالبية مقومات الحياة، هذه الكارثة لم تحيي فقط الألفة والمحبة بين الناس، ولكنها أيضاً أحيت الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.

(ظلال) ناشطة مدنية من ريف إدلب الغربي قالت: حين كنت أساعد في توزيع الحاجيات على الناجينات في منطقة سلقين مررنا على إحدى الخيم، فإذا بصاحب الخيمة يوجهنا إلى خيمة أخرى قائلاً (أنا حصلت اليوم ع كيس من البيرين ابحثوا عن غيري لعله لم يحصل على شيء)، هذه المسؤولية كانت أيضاً عابرة لباقي المناطق السورية، من خلال إقبال الأهالي الكثيف في مختلف المناطق السورية، لإرسال ما يملكون من مساعدات عينية قدموها من منازلهم، ففي السويداء وأثناء جمع التبرعات تقول (رنا) ناشطة مدنية من السويداء: التبرعات العينية التي استلمناها من الأسر الفقيرة في المحافظة هي من مؤونتهم، من أغطيتهم، من ثيابهم، فقد روت لها إحدى الأمهات عن طفلها الذي وضع رسالة في جيب جاكيته يقول فيها:( بعثتلك الجاكيت اللي بحبو ورح إرجع ابعثلك بوطي بس تخلص المدرسة).

 

التعاون العابر للجغرافية

استجابة منظمات العمل المدني في الداخل السوري للكارثة، أثبتت فاعلية المجتمع المدني وقدرته على القيام بمهامه، حيث أطلقت المنظمات حملات استجابة طارئة لتوفير الاحتياجات الإنسانية للمتضررين، وعملوا على تنظيمها، وتم جمع الأموال والاحتياجات الأساسية من الأدوية، والألبسة، والأغطية، والأغذية، وإرسالها إلى المناطق المنكوبة، وتم تشكيل فرق طبية وفرق إغاثية، توجهت إلى مكان الكارثة، إضافة إلى فعالية المبادرات المحلية التي بذلت جهود عالية في سبيل الاستجابة للكارثة والمناصرة للاحتياجات الأساسية ، بموارد تكود أن تكود معدومة، ومع تداول الأخبار بعرقلة وصول المساعدات وسرقتها من قبل جهات أمنية، حرصت المجموعات الأهلية والفرق والمنظمات المدنية على إيجاد طرق آمنة لضمان وصول المساعدات للأماكن المنكوبة.

تخبرنا (لينا) ناشطة مدنية من درعا، أنّ قافلة المساعدات التي انطلقت من درعا تمّ إيقافها على مشارف دمشق من قبل حاجز أمني، وأخبرهم أن يعودوا وهم سيتكفلون بإيصال المساعدات، لكنهم رفضوا وعادوا أدراجهم، ثم أعادوا إرسالها بطريقة تضمن وصولها إلى مستحقيها.

أمّا في السويداء فقد قالت إحدى الناشطات: قمنا بتواصلات كثيرة لنضمن وصول المساعدات، ولضمان أكبر أرسلنا مع القافلة فريق عمل مدني، قام بتسليم المساعدات بنفسه للناس المتضررة.

بالإضافة إلى المبادرات الإغاثية أُطلقت مبادرة تطوعية من شابات وشباب على امتداد البقعة الجغرافية السورية، تم العمل من خلالها على قاعدة بيانات لضحايا الزلزال مفقودينات وناجينات، من مختلف المناطق المتضررة. تقول (ناديا) ناشطة مدنية من السويداء: جُمعت هذه البيانات من مصادر مختلفة، كلوائح المشافي المنشورة، ومن الجهات العاملة على الأرض، ومن التقارير التي أبلغ عنها الأهالي وذوو الضحايا، إما عن طريق استبيان نُشر على المنصة، أو عن طريق منصات التواصل الاجتماعي، وتمت معالجة هذه البيانات لعرض المعلومات بشكل أفضل، والتحقق من مصداقيتها قدر المستطاع، لتسهيل عملية البحث.

 

الإنسانية تجمعنا

حالة التكاتف الشعبي كانت خارجة عن أي إطار سياسي، فالانقسام السوري منذ 2011 إلى معارض وموالٍ ورمادي بددته كارثة الزلزال، فمنذ الساعات الأولى بدأت التحركات الإغاثية، ومنشورات من جميع المناطق السورية يعلن أصحابها عن استعدادهم لاستقبال النازحينات ومساندتهمن، وحملات من العديد من المدن السورية توجهت إلى المناطق المنكوبة.

(رغد) ناشطة مدنية من القامشلي تقول:" لأول مرة لم أسمع بتمييز وتصنيف لبعضنا البعض ك (موالٍ – معارض - انفصالي) طالما أنّ الجميع منكوب، الاتصالات والرسائل التي كانت تأتيني من شابات وشباب من مختلف الجغرافية السورية بمختلف سيطرتها كانت تتساءل هل يمكنها الدخول إلى شرق او غرب البلاد؟ ما هي الإجراءات؟ من المسيطر هناك؟ هل ثمة طريق للوصول؟.

التبرعات العينية التي كانت تُجمع من قبل الأهالي في شمال شرق سوريا كانت تُجمع من القلوب، لم يكن يتساءل أحد إلى أين ذاهبة، شمالاً أم جنوباً، لجنديرس أم لإدلب، ليس مهماً طالما أنها لسورية منكوبة.

وتضيف رغد أنّ ما حدث غَيَّر نظرتها التي تشكلت عبر سنوات الحرب": سنوات الحرب العجاف جعلتني أجزم بأن لا أمل ينهي هذا الصراع بين السوريينات لكن ما رأيته خلال أيام الكارثة من فئة الشباب على وجه الخصوص لوح بأمل وضوء مشع آخر هذا النفق المظلم الذي يجمعنا، فصوت بتول ابنة 22عام الذي جائني من قلب دمشق يثبت ذلك، حين اتصلت لتسألني "رغد كيف يمكننا أن نوصل التبرعات لأهلنا في الشمال؟ كيف يمكننا أن نساعد في عمليات الإنقاذ؟ قلبي يحترق ولا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي، كيف يمكن أن نصل إلى إدلب".؟ إنها نموذج للكثير من الشباب والشابات الذين لم يقفوا مكتوفي الأيدي وكانوا يمسحون الدموع بيد ويساعدون بيد. تتمنى رغد مثل الكثير من الشباب والشابات أن نتحد لنكون قادرينات على الذهاب من دمشق إلى إدلب وعفرين، ثم إلى القامشلي، ولا حدود ولا حواجز تمنعنا، ولا فصائل تحقق معنا، لأن هذه الجغرافية منا وإلينا بحسب تعبيرها.

رغم فداحة الكارثة أثبت السوريون والسوريات أنهمن ينتمون إلى ما هو أعمق، إنهم ينتمون إلى إنسانيتهمن، حيث يصبح الوجود إنسانياً عندما نتوقف عن الخصومة، عندما نشعر بآلام الآخرين، عندما نتضامن مع بعضنا البعض، فإذا كان تعريف التضامن يشير إلى التعاون والعمل المشترك بين الأفراد، بعيداً عن أيّ انحياز للمعتقدات والأفكار، وتجاوز للهويات الضيّقة، والانفتاح على البعد الإنساني للمجتمعات. فإنّ زلزال 6 شباط الذي ضرب تركيا وشمال سوريا، أكد جملةً من الحقائق التي اعتقد الكثير من السوريين والسوريات أن آثار الحرب قد طمستها، لقد تم معايشة ومشاهدة وسماع الكثير من القصص التي تنتمي إلى قوله تعالى: (( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً))

 

:إعداد
سارة الحسين
رغد المطلق

:تدقيق لغوي
عبيدة الشيخ ديب

السابق عملية جمع البيانات شمال غرب سوريا التالي فُقدان، صمود واستمرار
← المزيد
مشاركة