"كنت مفكرة أنو ما ضل قهر ما دقناه خلال الحرب من فقدان وقتل وفقر وتهجير بس يمكن هي أكثر مرة بحس حالي أقوى يمكن لأن صرت أم وخوفي كان أني أخسر ولادي "
تحدثنا قمر وهي ناشطة مدنية من مدينة كفرتخاريم وعضوة في نادي بناء السلام السوري عن قصة ابنة عمها وما واجهته من صعوبات في سبيل أن تبقى وعائلتها على قيد الحياة خلال الزلزال الذي ضرب الشمال السوري.
استيقظت فاطمة (اسم مستعار) ، أم لطفين وحامل في طفلها الثالث هي وعائلتها فزعين على صوت اهتزاز مرعب دون أن يعلموا ما الذي يحدث، وصوت صراخ الناس والتكبير والدعاء في كل مكان؛ لم يتجرأوا على مغادرة غرفتهم، وما هي إلا ثوان حتى انهار البناء عليهم جميعا.
"١٢ سنة وأنا خايفة من هاللحـظة، وكأنو كنا عمنستناها، دائما كان عناخوف يقصف الطيران وينهد البيت فوق راسنا وصار الي كنا نتوقعه بس هالمرة مو طيران "
في البداية لم تستوعب فاطمة وهي حامل بطفلها الثالث ما حصل وكأنها فقدت التركيز، كانت مشوشة الرؤية والسمع، وبعد لحظات استطاعت أن تسمع أصواتاً من الخارج تصرخ عليها وتنادي باسمها، ثم تنبهت لصوت زوجها وأولادهم الاثنين ينادون عليها أيضا، استجمعت قواها وردت على الأصوات القادمة من الخارج: "أنا هنا، وعبدلله والأولاد هنا.." كانت هذه أصوات أقرباء عبدلله وابنة عمه التي روت لنا ما جرى، عندما تعرفت فاطمة على صرخات زوجها وطفليهما. غمرها التفاؤل وهي تطمئن نفسها وتقول:
"الحمد لله يارب الولاد وعبد الله عايشين "
بقوة متجددة، بدأت فاطمة المهمة الشاقة لإزالة الأنقاض التي فصلتها عن أطفالها، كانت قوة خارقة تحمل قسوة سنوات طويلة عايشتها فاطمة خلال سنوات الحرب،استمرت فاطمة بإزالة الركام المتراكمة فوق جسدها، وبدأت بالحفر وإزالة الأحجار للوصول لأطفالها التي كانت تسمعهم وتسمع صوت زوجها، تحولت يديها إلى آلة حادة تحفر بها وتحمل أوزان ثقيلة، لم تشعر للحظة بالألم، كان جل تركيزها على كيف ستصل لأطفالها وزوجها ،و بمساعدة أقارب عبد الله الذين كانت تستمر بالتواصل معهن وهي تحت الركام، تمكنت فاطمة من تحرير نفسها وأطفالها وخروجهم من تحت الأنقاض. لقد نجوا بأعجوبة، أدركت أن زوجها لا يزال محاصرًا، ينادي باسمها في حالة من اليأس. وصلت قوات الدفاع المدني بعد ما بدا وكأنه زمن استمر إلى الأبد، لكن محاولاتهم لإنقاذ عبد الله باءت بالفشل. بعد ساعتين مؤلمتين، استسلم للمصير القاسي الذي حل به وفقد حياته ليترك عائلته كالآلاف من الآباء الذين قُتِلوا خلال الحرب في سوريا وبقيت عائلاتهم تعارك الحياة بمفردها.
كان حزن فاطمة عارمًا، لم يكمن حزنها في فقدان زوجها وأب أطفالها اللذان تخطيا معا أصعب الظروف خلال سنوات طويلة من الحرب، بل كان لابدَّ أن يحيط الألم والخوف قلب فاطمة عند التفكير بالتحديات الهائلة والمصاعب التي تواجهها الأم العازبة في مجتمعاتنا ولا سيما وأن زوجها كان المعيل الأساسي.
تتحدث قمر عن حالة ابنة عمها فاطمة وأطفالها وتؤكد أنه مجرد استذكار ما تعرض له السوريين والسوريات في الشمال السوري في الزلزال والذي طال كل منهم في هذه المنطقة لم يفرق زلزال شباط بين نازح ومقيم ولا بين سنياً ودرزي أو كوردي وعربي، حتى في الاستجابة للمتضررينات سقطت كل الاختلافات، فمجرد استذكار ما تعرضنا له يشجعنا على النظر لخلافاتنا من زوايا مختلفة تجعل منها سلام بدل النزاع، في الحقيقة ترك الزلزال لنا رسالة للنظر إلى ما وراء خلافاتنا وإيجاد أرضية مشتركة في النضالات المشتركة للسلام، حيث تصبح قصص مثل قصة فاطمة شهادة على انتصار الروح الإنسانية على الشدائد.
إن قصة صمود فاطمة ومأساتها بمثابة تذكير بالمصاعب التي يعاني منها السوريون والسوريات، ولا سيما في المناطق التي مزقتها الحرب، حيث أضاف الزلزال المدمر الذي ضرب شمال سوريا طبقة أخرى من المعاناة للسكان الذين يعانون بالفعل من الصدمات.
دعونا نصوغ طريقًا للأمام يداً بيد، ونعمل من أجل عالم لا تخشى فيه الأم فقدان أطفالها وحيث يسود السلام على الصراع.
لتحميل القصة كملف، يُرجى الضغط هنا