منظمات سورية ودولية تبحث القضايا المجتمعية التي ولدها الزلزال وتبحث علاجها

 

"من الملفت أن سِكَك واحدة من المنظمات التي تنبهت إلى أهمية ربط التعافي المبكر في بناء السلام، وهذا ما كنا ننادي به منذ سنوات لكنه لم يلقَ استجابة"

يعلق بهذه العبارة أحد الحضور في الورشة التي نظمتها منظمة سكك في العاشر من شهر آب 2023، في مدينة غازي عنتاب التركية، وبحضور 26 منظمة سورية ودولية قدمت استجابة أثناء فترة الزلزال في شمال غربي سوريا، حيث كان هدف الورشة مناقشة القضايا المجتمعية التي نشأت بعد الزلزال والتي من الممكن أن تؤثر على استقرار المجتمعات وفقاً لورقة عمل أعدها "نادي بناء السلام السوري" حول هذه القضايا.

 

نادي بناء السلام السوري كيان أسسته منظمة سِكَك في ٢٠٢٢ ويهدف إلى إعادة بناء جسور الثقة وفتح قنوات الحوار بين مكونات المجتمع السوري، وذلك من أجل إعادة صياغة العقد الاجتماعي السوري، وبناء سلام مستدام يضمن العدالة الاجتماعية بين مختلف مكونات النسيج السوري، حيث يضم النادي شبان وشابات سوريين/ات من مناطق جغرافية مختلفة داخل سوريا للعمل على مبادرات تساهم في السلام المجتمعي

خلال الزلزال، كان لأعضاء وعضوات النادي العديد من المبادرات والحملات منها حملة #الروح_ السورية_بتعمرها، التي أضاءت على التضامن السوري – السوري في فترة الزلزال. كما رصد النادي  العديد من القضايا التي من الممكن أن تكون إنذار مبكر لنشوب نزاعات مجتمعية مستقبلاً وذلك من خلال سلسة حوارات مجتمعية، والجلسات المركزة مع القادة المجتمعيين/ات من الرجال والنساء. خلال هذه الحوارات ظهرت العديد من القضايا التي لم يلفت لها الإعلام وأصدروا ورقة بهذه القضايا إضافة إلى توصيات لعلاجها والاستجابة لها. وقد كانت القضايا الاقتصادية واحدة من أهم القضايا التي تؤثر على السلام في المنطقة.

أضاف زلزال 6 شباط في شمل غربي سوريا الكثير من التحديات والمصاعب والاحتياجات المختلفة في المجتمعات، وأَثار قضايا مجتمعية قد تخلق نزاعات، وتزيد ضعف التماسك المجتمعي، لذلك كان من المهم رصدها وبحث الآليات الممكنة والمتاحة للتدخلات ومعالجة هذه القضايا، والعمل على إيجاد حلول مستدامة تعزز استقرار المجتمع على الصعد الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والنفسية.

هدف الورشة:

ولتوسيع دائرة النقاش كان لا بد من عقد ورشة تستضيف منظمات عملت على تقديم الاستجابة أثناء فترة الزلزال في شمال غربي سوريا، لعرض القضايا والتوصيات التي خرج بها نادي بناء السلام السوري، وبحث القضايا الأخرى التي رصدتها المنظمات المشاركة في الورشة، ولبحث الآليات الممكنة للتدخل لعلاج هذه القضايا، وتبادل الآراء والخبرات والتجارب والأخذ بها كدروس مستفادة يتم توظيفها في برامج المنظمات والمشاريع التي تعمل عليها.

 

 

القضايا التي أثارها المشاركون/ات من المنظمات المحلية والدولية:  

 

القضايا الاقتصادية:

ناقش المشاركون القضايا الاقتصادية المتردية مما قبل الزال وكيف أن الزلزال عزز تأثير هذه القضايا وأنتج أسر تفتقد للمعيل/ة، وأرباب عمل بلا أماكن عمل وعمال/عاملات من دون فرص بسبب تهدم أماكن العمل وتضرر أرباب العمل، كما أنتج أطفال مشردون بحاجة إلى رعاية ومآوي وتوجيه، كي لا يقعوا فريسة العسكرة والتطرف.

 

حبوب مخدرة مقابل العمل:

طرحت قضية الإدمان والمخدرات في الورشة وانتشارها بين العمال، ومن خلال شهادة أحد المشاركين في الورشة أن بعض ورشات العمل في شمال غربي سوريا لا يتم إعطاؤهم المال مقابل العمل، بل حبوب المخدرات، بمعنى أن التعاطي والإدمان أصبحت قضية واقعية ويجب على المنظمات دمج برامج التوعية حول أخطار الإدمان على المجتمع في برامجها ومشاريعها التي تعمل عليها في المنطقة. 

 

الاستجابة تفتقر لإدماج المنظور الجندري:

 

من أهم القضايا الإضافية التي ظهرت خلال النقاشات، والتي توسع المشاركون /ات في الإضاءة عليها كانت قضايا النساء من حيث قلة وصول النساء للمعلومات الصحيحة، والمساعدة بسبب الفجوة المعرفية التكنولوجية، وانتشار المعلومات المضللة، وعدم قدرة أطفالهن غير الحاملين/ات للوثائق الوصول إلى المساعدات بسبب وجود التوثيقات أثناء منح المساعدات، ما زاد من وجود الفئات الهشة والمتأثرة بشكل إضافي أثناء الزلزال. يجب دمج المنظور الاجتماعي في عمل المنظمات الإنسانية، إضافة إلى تناول الإعلام النساء في مواده لجلب التعاطف وإظهارهن كضحايا، حيث لم يحترم كرامة الضحايا في تصويرهن، كما لم يذكر الإعلام أن النساء كانت في الخطوط الأمامية أثناء تقديم المساعدات والقيام بمبادرات لإظهار جهود النساء وقدرتهن على الاستجابة. 

 

مؤسسات بحاجة لتطوير التنسيق: 

 

ذكر المشاركون/ات فقدان الثقة بمؤسسات الحكم المحلي بسبب سوء التنسيق وضياع المعلومات، وعدم التعاون بالحصول على معلومات تخص الأسر المتضررة، بسبب عدم توفر معلومات كافية لديهم حول سكان المنطقة، فعلى سبيل المثال تطلبت المنظمات الطبية احتياجات ضخمة، في هذه الأثناء أعلن المجلس المحلي في جنديرس بأن كافة الاحتياجات تم تأمينها. 
 

كما كان لفجوة التنسيق بين المنظمات التي تعمل في المجال التنموي وبين المنظمات التي تعمل في المجال الإغاثي أهمية في النقاشات المطروحة، حيث تظهر هذه الفجوة عند الحديث عن أهمية بناء السلام تبدو المنظمة التي تعمل في مجال التنمية وكأنها تتحدث عن التنمية بسبب الرفاهية والانفصال عن الواقع، ومن جهة نظر المنظمات التنموية فإن الاستمرار في تزويد المحتاجين/ات بالمساعدات الإغاثية دون أن تساهم في تمكين الأفراد وتجعلهم/ن فاعلين/ات ومنتجين/ات فإنها تحولهم/ن إلى مستفيدين/ات معتمدين على المساعدات فقط، لذلك كان من المهم العمل على الجانب التنموي ليس فقط الإغاثي. 

 

وهنا عرّج المشاركون/ات على أهمية وضرورة حوكمة المنظمات فمنذ عشر سنوات تعمل المنظمات على التدريبات والتمكين الداخلي في الحوكمة، والاستجابة والعدالة، لكن أثناء فترة الزلزال عملت كل جهة كجسم مستقل، لم تكن المنظمات متأهبة بالشكل الصحيح للكوارث، والدليل أن في كل كارثة معظم المشاكل تتكرر من حيث عدالة التوزيع، ولم يوجد توزيع للأدوار والمسؤوليات بحسب الاختصاصات بين المنظمات، عدم التأهب للكوارث سببه الفجوات المعرفية المستمرة في الحقوق والواجبات كان لتصوير الأطفال الفاقدين لذويهم مخاطر من أن يتعرضوا للخطف، عدم التركيز على العاملين/ات في خط الدفاع الأول من منظمات المجتمع المدني الذين يعملون على تقديم الاستجابة من حيث تمكينهم/ن بإدارة المخاطر

 

تراجع الثقة بالإعلام

خلال فترة الزلزال نزعت العديد من المؤسسات الإعلامية إلى التركيز على زيادة عدد متابعيها دون التركيز على الدور الأساسي والمسؤولية التي تقع على عاتق الإعلام، فاتجهت بحسب المشاركين/ات في الورشة على سبيل المثال إلى التجارة بالكارثة في جنديرس/ مثال في اليوم الثالث للكارثة انتشر الحديث عن الزلزال، ونشر المعلومات غير الموثوقة بينما على الأرض كان من المفروض أن ينشر الإعلام الحاجة إلى المعدات الثقيلة، كما أن كثرة وجود الإعلاميين أعاق الطاقم الذي يعمل على الأرض. 

 

الكوارث وتأثيرها على البيئة:

ولم يغفل المشاركون/ات أهمية تأثير الكوارث على البيئة وأخذ سلامة البيئة بعين الاعتبار أثناء تقديم الاستجابة، نظراً لأن التغيرات في التوزع السكاني بعد الكارثة من الممكن أن تحدث تأثير سلبي على منسوب المياه في المناطق المكتظة.

 

 

مجموعات عمل تركز على أهم أربعة محاور تؤثر على استقرار المجتمعات:

خلال الورشة انقسم المشاركون/ات إلى ٤ مجموعات تخصصية ناقشت أهم القضايا التي يمكن حصرها ضمن محاور الاقتصاد والتعافي المبكر، حقوق الملكيات والحقوق المدنية، الصحة النفسية، والتماسك المجتمعي، ولأن أهم عاملان يؤثران على العمل المدني ككل ويساهمان في ازدياد الفجوات لما لهما من أهمية في الأدوار التي يلعبانها ركزت المجموعات على إدماج الإعلام في كل قضية من القضايا المناقشة وعلى إدماج المنظور الجندري فيها، ثم بحثت كل مجموعة آلية التدخلات الممكنة لعلاج هذه القضايا، وقدمت توصياتها.

 

خاتمة:

على الرغم من الجهود المبذولة من المنظمات وكافة الأطراف التي استجابت للزلزال وساهمت في تلبية احتياجات المدنيين والمدنيات في شمال غربي سوريا إلا أن الاستجابات كانت تأخذ الجانب الإنساني فقط، وهذا يحول المجتمعات إلى مجتمعات معتمدة على المساعدات من جهة ومغفلة لأهمية التطوير والتنمية من جهة أخرى. كما أن التركيز على الجانب الإنساني وإغفال الجانب الاجتماعي وما يمكن أن يساهم في ازدياد النزاعات في مجتمعات متفككة أصلاً ومنهكة من سنوات طويلة من الحرب والنزوح والتشرد وفقدان الأمل من حل سياسي قريب يحقق استقرارها وتعافيها، سوف يفاقم المشكلات والقضايا لأمد بعيد ويحرم المنطقة من استقرارها وتوفير السلام المستدام فيها، فمن دون التنسيق والتعاون والتشبيك وتظافر الجهود والعمل على كافة الجوانب لن نستطيع الوصول إلى مجتمعات متعافية ومستقرة ومتماسكة.

السابق تدريب بناء السلام التالي دورة تدريب المدربين/ات في المشاركة المجتمعية شمال ...
← المزيد
مشاركة